السلمي
471
مجموعة آثار السلمي
أيديهم ولا هم يطلبون الزّيادة عليه ويكون القليل والكثير عندهم واحدا ولا يستلذّ أحدهم بالعطاء ولا بالإمساك ويعرف وجوه الحقوق فيها فيضعها بأمر ويمسكها بأمر . ( 11 ) وطبقة غلطوا في التّقشّف والتّقليل وظنّوا أنّ الرّفق بالنّفس وتناول المباح واسترواح النّفس بحال يسقط العبد عى درجته . وذلك غلط ، لأنّ العلّة في ذلك كالعلّة في التّوسّع والتّرفّه سواء . وليس للعبد أن يعمل ذلك إلّا في وقت ابتداء رياضة أو شدّة مجاهدة أو عند سوء أدب يظهر من النّفس . ثمّ إذا شاء ثبت على ذلك وإن استحلى ملاحظة الخلق له ترك ذلك وعمل في الانقلاع عنه والرّجوع إلى طريق المساواة مع الخلق في المطعم والملبس . ( 12 ) وطبقة من المتقدّمة عملوا في الكسب وأمروا به وأنكروا على من لم يكتسب . وقد غلطوا ، لأن الكسب رخصة وإباحة لمن لم يطق حال التّوكّل ، فإنّ التّوكّل حال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم والكسب سنّته فمن لم يطق حاله ردّ إلى سنّته . والمؤمنون كلّهم مأمورون بالتوكّل . قال اللّه تعالى : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 5 : 23 ) . والتّوكّل هو الثّقة بما وعد اللّه ، فمن خرج عن هذه الدّرجه ردّ إلى حال السّنّة من الكسب . وللكسب شرائط : منها ألّا يشغل عن أداء الفرائض في أوقاتها ، ومنها ألّا يعتمد على كسبه ، ومنها أن يتعلّم من العلم ما لا يتناول معه حراما ، وألّا يأخذ من كسبه شيئا بالرّخص والتّأويلات ، وأن يعين إخوانه العاجزين عن الكسب ويتفقّدهم من كسبه . فهذه بعض شرائط الكسب . ( 13 ) وطبقة من المريدين غلطوا في حال الفترة . وذلك أنّهم لما سمعوا مجاهدة من كان قبلهم من المشايخ الأبرار والسّادة المتقدّمين لما سمّاهم اللّه بذلك ورفع قدرهم عند خلقه اجتهدوا وعملوا في الاجتهاد مدّة . فلمّا طال بهم الأمر طمعت نفوسهم في الكرامات فلم يجدوها ، فلمّا رأوا ذلك كسلوا عن مجاهداتهم فسمّوا ذلك الكسل فترة وهو كسل وخدع ، ولو جذبهم الحقّ سبحانه جذبة لما كسلوا فكانت فترتهم رجوعا عن المجاهدة ، لأنّ الفترة تكون استرواحا لقلوب المجتهدين وأبدانهم وقتا دون وقت ، ثمّ يعودون إلى حال الاجتهاد ، كما حكي عن أبي علي الروذباري ، أنّه قال : « النّهاية كالبداية والبداية كالنّهاية . فمن ترك في نهايته شيئا ممّا كان يفعل في بدايته فهو مخدوع » . ( 14 ) وطبقة غلطوا في سياحتهم وأسفارهم ، فجعلوا أسفارهم لأنفسهم وللقاء المشايخ